“أيّ أمان تتكلّمين عنه، يا أمّي؟”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

طردَني جمال، زوج أمّي، مِن البيت يوم كنتُ قد تشاجَرتُ معه للمرّة الألف. فكنتُ آنذاك “مُراهِقًا صعبًا”، ليس بسبب طباعي، بل لأنّ أبي كان قد ماتَ قَبل سنتَين وأسرَعَت أمّي بالزواج ثانيةً مِن جارنا، أرمَل بغيض لَم يُحِبّه أحَد. ميزته الوحيدة كانت أنّه يملكُ بعض المال والعقارات، وحسِبَت والدتي أنّها ستعيشُ معه بأمان وتؤمِّن لي ولأختي مُستقبلًا جيّدًا. أنا لا ألومُها، لكنّ خطأها كان أنّها لَم تقِف في صفّي ولَم تُقدِّر الصدمة التي تلقَّيتُها لدى موت والِدي وإيجاد نفسي في بيت “ذكَر” آخَر يُريدُ بَسط رجوليّته عليّ وكَسري.
رحتُ أعيشُ عند عمّتي، إنسانة رائعة بالفعل والتي لَم تستوعِب كيف أنّ تمَّ استبدال أخيها بسرعة، وبِرجُل كَجمال. حاولَت أمّي التوسّط لدى زوجها لإعادتي، لكنّه رفَضَ قطعيًّا إستقبال “ولَد عقوق لا يُقدِّر الفرصة التي أُعطيَت له”، ومِن جهتي لَم أقبَل بالرجوع إلى مكان حيث ليس مرغوبًا بي. حزِنتُ على انفصالي عن أختي الصغيرة، لكنّني بقيتُ على إتّصال بها هاتفيًّا وعلِمتُ منها كلّ تفاصيل ما يجري في ذلك البيت.
عند عمّتي، هدأتُ كثيرًا، إذ أنّ سبب تشنّجي الدائم صارَ بعيدًا عنّي، ولأنّ تلك المرأة الرائعة عرِفَت كيف تُشعرُني بالأمان والحبّ. هي لَم تتزوّج يومًا، ليس لسبب خارجيّ، إذ أنّها كانت جميلة ومُتعلِّمة، بل لأنّها رفضَت خوض تجربة “الزوجة التقليديّة”، بل أرادَت أن تُحافِظ على كيانها وتُحقِّق ذاتها. فلقد أكمَلَت دراسات عليا وشغلَت منصِبًا مُهمًّا في إحدى الدوائر الحكوميّة. كان الكلّ يهابُها، ليس لأنّها طاغية، بل لأنّها كانت تُصِرُّ على أن يقومَ الجميع بِمهامه على أكمَل وجه والحفاظ على النزاهة. تعلّمتُ منها كلّ تلك المزايا الحميدة وركّزتُ على دراستي كَي لا أُخذلِها، فهي كانت كلّ ما تبقّى لي مِن عائلة المرحوم والِدي.
في تلك الأثناء، عاشَت أختي تحت سقف واحِد مع أمّ خاضِعة ورجُل حسِبَ نفسه ملِكًا على مملكته الصغيرة. لكنّها بدأَت تتأقلَم مع الوقت وخالَت أنّ تلك هي حياة يعيشُها الكلّ، فنسيَت كيف كان أبي مُحِبًّا وهادِئًا لأنّها كانت صغيرة عندما توفّيَ.
رأيتُ أمّي بين الحين والآخَر حين كانت تأتي إلى بيت عمّتي مُحمّلة بالمأكولات والهدايا وتعِدُني بأنّ يومًا سيأتي ويلتَمّ شَملنا. بقيتُ أوّكِّد لها أنّني لا أنوي العودة وأنّني سعيدٌ مع عمّتي، لكنّها لَم تُصدّقِني. بعد بضع سنوات، تخرّجتُ مِن المدرسة بعلامات مُشرِّفة ودخلتُ الجامعة لأدرس الهندسة، إذ أنّني أردتُ أن أُحقِّق حلم أبي الذي كان يتمنّى لي أن أصبَحَ يومًا مُهندِسًا وأبنيَ أجمَل المنازل والمباني ويفتخِر بي أمام الناس بالقول لهم: “هذا مِن صنع ابني”.
لكنّ علاقتي بأختي تدهوَرَت، إذ أنّها لَم تعُد تتّصلُ بي كما في السابِق، وتتفادى الردّ على مُكالماتي تحت حجج مُختلِفة. أصابَني الحزن، فاعتبرتُها دائمًا قطعة مِن ذاتي. نصحَتني عمّتي بالصبر لكن أيضًا بِعدَم التوقّف عن المُحاولة، ووعدَتني بزيارة أمّي لتعرِف منها سبب صمت ابنتها.
فتَحَ جمال الباب لِعمّتي يوم راحَت إليهم وسألَها ماذا تُريد بِنبرة قاسية، إلّا أنّ والدتي ركضَت لتُدخِلها قائلة لِزوجها: “جمال… لقد تحدّثنا بالموضوع وأنتَ وعدتَني!”. جلسَت المرأتان سويًّا ثمّ دخلَت عليهما أختي وألقَت التحيّة على الزائرة ثمّ عادَت إلى غرفتها. سأَلت عمّتي أمّي عن أحوال أختي وقالَت لها هذه الأخيرة:
ـ هذا السنّ صعبٌ… فهي صارَت مُراهِقة وفي بالها أمور تُشتِّتُها، لكنّها بخير.
ـ لكنّها لا تتفاعَل مع أخيها كما في السابِق.
ـ حقًّا؟ لَم أنتبِه للأمر.
ـ لدَيكِ ولدان، وأحَدهما ليس موجودًا معكِ، ولَم تنتبهي للأمر؟
ـ أعني أنّ الموضوع ليس بالجدّيّة التي تتصوّرينها.
ـ أين هي، أُريدُ أن أُكلِّمها.”
حاولَت أمّي مَنعها مِن دخول غرفة أختي، لكن مِن دون جدوى. أقفلَت عمّتي الباب وراءها وجلسَت على حافّة السرير حيث كانت أختي مُستلقية.
ـ ما الأمر يا صغيرتي، لماذا هذا الجفاف مع أخيكِ؟ فهو مُتعلِّقٌ كثيرًا بكِ!
ـ مُتعلِّقٌ بي؟!؟ ولماذا تركَني لِوحدي هنا؟
ـ هو لَم يترككِ، بل طرَدَه جمال!
ـ الأمر سيّان، فلو تصرّفَ بطريقة مُختلِفة وانصاعَ لتعليمات زوج أمّي، لمَا طرَدَه!
ـ لِما لا تأتين إلى بيتي لقضاء فرصة نهاية الأسبوع؟
ـ لن يقبَل عمّي جمال.
ـ سأُكلِّمُه وأُقنِعه بالأمر.
ـ لن يقبَل! فهو لا يُحِبّ أن أخرج إلى أيّ مكان، خاصّة خلال فرصة نهاية الأسبوع، فهو… فهو يُريدُني… بالقرب منه دائمًا.
ـ بالقرب منه دائمًا؟ ماذا تعنين؟
ـ لا شيء، لا شيء.”
وامتلأت عَينا أختي بالدموع وأدارَت وجهها.
لَم يلزَم عمّتي أكثر مِن ذلك لتفهَم ماذا يحصل، فإلى جانِب ثقافتها ومعرفتها بالناس والحياة، هي كانت قد حذّرَت أمّي مِن خطَر تربية ابنتها في بيت رجُل غريب. لكنّ عمّتي لَم تكن مُتأكِّدة مئة بالمئة، ولا تستطيع التصرّف مِن تلقاء نفسها، لِذا، حفظَت الأمر لنفسها لكن بِنيّة التحرّك بسرعة، أيّ قَبل فوات الأوان. لِذا، هي أصرَّت على والدتي القبول بِمجيء أختي لِقضاء يومَين معنا وهدّدَتها، فلو رفضَت، كان  سيعني ذلك قطع العلاقة بين المرأتَين.
حين وصلَت أختي إلى بيت عمّتي حامِلةً حقيبة صغيرة، هي بالكاد نظرَت إليّ، بل بقيَت بعيدة عنّي لِفترة. فمِن الواضح أنّها تعتبرُ رحيلي مِن البيت تخلّي عنها وتَركها لوحدها مع أمّي… وجمال. شرحَت لها عمّتي بِحضوري أنّ رحيلي سببه إصرار جمال على التخلّص منّي لأنّني شابّ وقويّ البنية، ووحدي أستطيع الوقوف بوجهه ومَنعه مِن التصرّف كما يشاء. عندها، ركضَت إليّ أختي وعانقَتني باكية وقائلة: “لا تتركني، أرجوكَ! لا أُريدُ العودة! أُريدُ العَيش معكما!”. بكينا جميعًا وطمأنَتها عمّتي شرط أن تقولَ لنا ما يحدث حقًّا في ذلك البيت.
لحسن حظّ أختي، لَم يقُم جمال مع أختي بما لا عودة عنه، بل كان في مرحلة “التحضير” التي بدأَت منذ سنوات، بالتمام بعد رحيلي مِن البيت طردًا. إذ أنّه جلَبَ لها الهدايا الجميلة، وكان يمدحُها على الدوام ويقولُ لها إنّها أجمَل مِن أمّها بكثير، وكيف أنّ تلك الأخيرة صارَت كبيرة في السنّ ومُزعِجة. إضافةً إلى ذلك، عزَلَ جمال أختي بعدَم السماح لها بمُخالطة الناس، سوى للذهاب إلى المدرسة، وكان يُصِّر على توصيلها بنفسه إلى دروسها صباحًا وجَلبها بعد انتهاء الدوام. وفي الأواني الأخيرة، حصَلَ أن دخَلَ غرفتها بضع مرّات “ليقولَ لها شيئًا مُهِمًّا”، فيما هو كان يعرفُ أنّها في سريرها وفي قميص نومها. لَم تشعُر أختي بأنّ شيئا مُريبًا يحصل إلّا مؤخرًّا، حين كثرَت العناقات واللّمسات في أماكن خاصّة مِن جسمها، وفي كلّ مرّة كان يعتذِرُ منها جمال ويقول: “حصَلَ ذلك عن طريق الخطأ”. أخبَرت أختي أمّنا بالذي يحصل، لكنّ هذه الأخيرة لَم تُصدِّقها، بل اتّهمَتها بأنّها تخلقُ المشاكل بينها وبين زوجها، وأنّني حتمًا وراء تلك الاتّهامات، مُضيفةً أنّ جمال يرعى أختي ويؤمِّن لها حياةً كريمة وعليها أن تكون مُمتنّة له.
شعَرتُ بنار الغضب في داخلي ورغبة لا تُقدَّر بتحطيم وجه جمال وإرساله إلى المشفى، إلّا أنّ عمّتي هدّأتني قائلة:
ـ إن فعلتَ أيّ شيء مِن هذا القبيل، فلن يُصدِّقُ أحَدٌ أختكَ. إسمَع، الفتاة باقية هنا ولا توجَد قوّة في العالم باستطاعتها إنتزاعها منّي! مِن الواضِح أنّ أمّكَ تعرِفُ ما يحصل ولا عذر لها. لكنّني أفهَم كيف أنّها في حالة إنكار لأنّها خائفة مِن مصيرها لو طلّقَها جمال وطرَدَها. لكنّها لا تُدرِك أنّ كان باستطاعتها إيجاد عمَل حين توفِّيَ أبوكَ، فهي امرأة مُتعلِّمة، وليس مِن المحتوم أن تموتون جوعًا. مُشكلتها تعودُ على الأرجَح إلى حالة نفسيّة ما تُشعِرُها بالخوف الدائم وعدَم الأمان.
ـ أنتِ تُعطيها أعذارًا!
ـ أبدًا، إنّها مُذنِبة كلّيًّا، فواجباتها هي حمايتكَ وأختكَ. لكنّ النفس البشريّة مُعقدّة، صدّقني.
ـ أنتِ تعرفين الكثير عن أمور عديدة، يا عمّتي!
ـ أجل، لأنّني أُثقِّف نفسي على الدوام لأفهَم ما يدورُ مِن حولي. الآن دَعني أتصرَّف.”
قصدَت عمّتي أّمّي وعادَت بعد ساعات مع كلّ أمتعة أختي، وبسمة عريضة على وجهها. وحين سألتُها ما حصَل، هي قالَت:
ـ رحتُ في وقت يتواجَد فيه جمال في عمَله، ففي آخِر المطاف، هو رجُل وأقوى منّي جسديًّا، ولن أقدِر على التغلّب عليه لو أنّه آذاني. جلَستُ مع أمّكَ وقلتُ لها إنّني أعلَم ما يفعله زوجها بابنتها. هي نكرَت معرفتها بشيء واتّهمَت أختكَ بالكذب، واتّهمَتني بأنّني أسرِقُ منها ولَدَيها. عندها قلتُ لها: “لستِ أهلًا بِحَمل لقَب الأمّ، فواجبكِ الأوّل هو حماية ولدَيكِ. قبِلتِ أن يطردَ زوجكِ ابنكِ ألإزاحَته مِن دربه ليتسنّى له فعل ما في باله في ما يخصّ ابنتكِ. ثمّ لاحظتِ حتمًا كيف أنّ جمال يحومُ حول صغيرتكِ، فليس مِن الصعب فَهم تلك التصرّفات حين تكونين امرأة مُتزوّجة مرّتَين! أزَحتِ نظركِ عن ذلك التحرّش، ويا للعار! قبِلتِ بالتضحيّة بابنتكِ لتُحافِظي على حياتكِ ولا تشعرين بالهمّ والقلَق. إسمَعي، ستبقى الفتاة معي، وإن حاولتِ أو زوجكِ أخذها منّي، فسأشتكي عليكما وأزجُّكما في السجن! صحيح أنّ ليس لدَيّ أولاد، لكنّني أفضل أمّ منكِ! لن ترَين ولدَيكِ إلّا حين تتركين زوجكِ، فبقاؤكِ معه يعني قبول أفعال ذلك الوحش. أعطِني أمتعة ابنتكِ بسرعة ودَعيني أخرج مِن هذا المكان النتِن!”.
عشنا حوالي السنة بِهناء مع عمّتنا، عندما لحِقَت أمّنا بنا أخيرًا. فكلام عمّتي صحّاها، وبدأَت تقَع مُشاجرات بينها وبين زوجها، إلى حين استوعَبت كلّيًّا مِن أيّ صنف هو. فجمال بقيَ يُطالِبُ بأختي ويضغطُ على أمّي لاسترجاعها، وحين هي سألتُه لماذا هذا الإصرار، قالَ لها أخيرًا: “لأنّني أشتهيها”. نظرَت إليه والدتي ورأَت أمامها الشذوذ بحدّ ذاته، فاشمأزَّت منه لِدرجة لا توصَف.
تحسّنَت علاقتنا بأمّنا مع الوقت، خاصّة بعدما وجدَت لها عمّتي عمَلًا وباتَت تُخالِطُ الناس وتَجني ما يكفي للكَفّ مِن الشعور بِعدَم الأمان. أمّا بالنسبة لِجمال، فهو يعيشُ اليوم لوحده، فلَم يتزوّجه أحَد… بعدما فضحَت عمّتي أمره أمام الجميع!

أضف تعليق