(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)
يوم وصلَتني تلك الدعوة لِحضور زفاف ماهِر، أحَد زملائي في العمَل، تمنَّيتُ ضمنيًّا لو كان ذلك زفافي أنا. فالواقع أنّني كنتُ مُطلّقًا منذ سنوات عديدة، واشتَقتُ للحياة الزوجيّة وحلِمتُ أنّ يكون لي ابنًا أو ابنة. لَم يتسنَّ لي أن أصبَحَ أبًا خلال زواجي، فقد اكتشَفتُ خيانة زوجتي لي بعد أشهر قليلة مِن الزفاف. كان يجدرُ بي اختيار أخرى، فهي كانت جميلة للغاية ولها مُعجبون كثيرون، وكان مِن المحتوم أن يحصل ما حصَل.
وصَلتُ حفل الزفاف، وهنّأتُ زميلي وعروسه، ثمّ جلَستُ إلى الطاولة المخصّصة لي، وتفاجأتُ برؤية صبايا حول تلك المائدة، ولا رجُل واحِد. إقترَبَ ماهِر منّي وهمَسَ في أذُني: “لقد اهتمَمتُ شخصيًّا بِترتيب مَن يجلِس إلى هذه المائدة بالذات… هيّا… حان الوقت لِتجِدَ رفيقة حياتكَ! “. شكرتُه بعد أن تلَّون وجهي بالأحمر، ونظرتُ إلى الصبايا الواحِدة تلوَ الأخرى وألقَيتُ عليهنّ التحيّة مُعرِّفًا بِنفسي. للحقيقة، إحتَرتُ لأمري، فقد كنّ جميلات للغاية، ما عدا واحدة منهنّ جاءَت لِتجلِسَ مع الباقيات بعد بضع دقائق. هي لَم تكن قبيحة، لكن مُقارنةً بالأخريات، بدَت عاديّة الملامح والقوام.
بدأتُ أتبادَل الحديث مع رفيقاتي على المائدة، وقضَينا وقتًا مُمتِعًا، ثمّ حانَ وقت الرقص فدعوتهنّ بالمداورة، مُتحجِّجًا بأنّ عليّ القيام بواجباتي تجاههنّ كَوني الرجُل الوحيد بِرفقتهنّ. أعجبَتني إحدَاهنّ أكثر مِن الأخريات، لكنّني بقيتُ جافًّا معها لأنّها ذكّرَتني بزوجتي السابِقة مِن حيث الجمال، وآخِر شيء أردتُه كان أن أقَع في الخطأ نفسه.
في نهاية الحفل، إقترَبتُ مِن ماهِر وشكرتُه مِن جديد، وأشَرتُ له إلى الصبيّة التي اختَرتُها، أيّ الأقلّ جمالًا. هو تفاجأ، فسكَتَ لبضع ثوانِ، إلّا أنّه احترمَ رأيي ودعا لي بالتوفيق. فرِحَت العروس كثيرًا لدى معرفتها بأنّني فضَّلتُ ضُحى، صديقتها الحميمة، وأثنَت عليها كثيرًا، ووعدَتني بأنّها ستُكلّمها وتُطلِعها على اهتمامي بها، وتسألُها إن كانت موافِقة على إعطائي رقم هاتفها. عدتُ إلى بيتي مُمتنًا، إذ أنّ ضُحى كانت صبيّة مُثقّفة وهادئة، وقد تصبح زوجة مُناسِبة لي وتحفظُ كرامتي، على خلاف التي سبقَتها. في تلك الليلة، حلِمتُ بزفافي وبالطفل الذي كان سيُناديني “بابا”.
بدأتُ أتواصَل مع ضُحى، وبعد فترة تواعَدنا وتبادَلنا الأفكار والأحلام، وبعد بضعة أشهر تزوَّجنا.
مشاعري تجاه زوجتي كانت عاديّة، فلَم أكن مُغرَمًا بها، إلّا أنّني كنتُ أكنُّ لها مودّة واضِحة، إذ أنّها كانت ذكيّة ونشيطة وتعرفُ تمامًا ما أنتظرُه منها، وما أحبُّه، وما لا أُريدُه. مِن جهتّي، أحطُّها بالاحترام والرِّفق وأمَّنتُ لها كلّ ما طلبَته نفسها. كنّا نؤلِّف ثنائيًّا ناجِحًا، خاصّة عندما كنّا نخرج مع الأصدقاء ويرَون الوفاق الموجود بيننا، في حين هم كانوا يواجهون المشاكل الزوجيّة الاعتياديّة. فالواقع أنّني لَم أتشاجَر يومًا مع ضُحى، واعتبَرتُ الأمر طبيعيًّا، ولَم أفهَم كيف لهؤلاء أن يُسيئوا الاختيار ويعيشوا مع شريك غير مُتوافق معهم. لَم أفهَم آنذاك أنّ المُشاجرات بين الزوجَين هي مُحاولات لِتحسين علاقتهما، علامة أنّ طرَفًا يلفِتُ نظَر الآخَر إلى حاجاته لإنجاح المسيرة. فذلك كان صحّيًّا أكثر مِن العلاقة التي كانت بيني وبين زوجتي، كما كنتُ سأكتشِفُ لاحقًا.
فاختياري لِضُحى كان مقصودًا، فكما ذكرتُ هي كانت أقلّ جمالًا مِن الموجودات في ذلك الفرَح، وخِفتُ مِن الخذلان والخيانة، ظنًّا منّي أنّ جمال زوجتي الأولى كان السبب في خيانتها لي، وكأنّ فقط الجميلات هنّ خائنات، أو أنّ كلّ الجميلات خائنات!
للحقيقة، لَم أسأل ضُحى يومًا لماذا اختارَتني، فظنَنتُ أنّها وجدَتني وسيمًا كفاية لِتقبَلَ بي، وأنّ نوع عمَلي الذي كان يُمكِّنُني من العَيش بِرخاء أقنعَها بِرَبط حياتها بي. أليس ذلك ما تطلبُه النساء عادةً؟
أعطَتني زوجتي ابنًا جميلًا وأنا أعطَيتُه اسم المرحوم أبي. كانت فرحَتي لا تُقاس، فلقد حقَّقتُ حلمي أخيرًا. أهدَيتُ ضُحى الذهب والماس، ووعَدتُ صغيري بأنّني سأكون أفضل أب له وأسنِده وأحميه. كانت حياتي بالفعل مثاليّة وحسَدَني الكلّ عليها، ولَم أعرِف آنذاك أنّ حياتي كانت بعيدة كلّ البُعد عن المثاليّة، بل العكس تمامًا. وحتّى اليوم، يصعبُ عليّ تصديق ما حصَلَ لي.
مرَّت حوالي السنة، ومرضَ ابني الحبيب، فنقَلناه بسرعة إلى المشفى، واتّضَحَ أنّه يُعاني مِن مُشكلة كبيرة تستلزِم إجراء عمليّة جراحيّة له. شعرتُ بأنّ الحياة تتلاعَبُ بي، فكَم انتظرتُ ذلك الولَد، وها هو في خطَر وقد أخسَره فجأة! كانت ضُحى بحالة يُرثى لها، فجمّعتُ كلّ شجاعتي لأقِفَ إلى جانبها وأدعَمها قَدر المُستطاع. طُلِبَ منّا إعطاء دَم في حال احتاجَ له ابننا خلال العمليّة، وكنتُ مُستعِدًّا لإعطائه حياتي كلّها!
لكنّ دمي رُفِضَ مِن قِبَل مُختبَر المشفى، فاستأتُ كثيرًا إذ كنتُ أودُّ أن أكون مَن يُنقِذُ ولَدي في حال احتاجَ لذلك، ألَم أكن أباه وسنَدَه؟ لكن للحقيقة، لَم أكن. أعني، لَم أكن أباه، كما اتّضَحَ مِن فئة دمي التي لَم تُطابِق فئة دَمه. في البدء، لَم أفهَم ما قالَه موظّف المُختبَر حين رحتُ أسألُه لماذا رُفِضَ دَمي. هو تلبّكَ قَبل أن يسأل إن كنّا قد تبنَّينا ولَدَنا. غضِبتُ صارِخًا: “وهل تجِدُني عجوزًا أو عاجِزًا لأتبنّى؟؟؟”. إزدادَ تلبّك الموظّف، وأضافَ أنّ وحده دَم زوجتي مُناسِب… ومُطابِق. وحين سألتُه عن السبب، قالَ لي مِن دون أن ينظرَ إليّ: “هذا يعني أنّكَ، على الأرجَح، لستَ أباه”. سكَتُّ مُطوّلًا وهو أسرَعَ بالقول: “قد أكون مُخطئًا… وبإمكانكَ إجراء فحص للحمض النوويّ… لكن… أعني… لستُ أدري ما أقوله، يا سيّدي! أرجو منكَ المُغادرة!”.
وافَيتُ ضُحى في قاعة الانتظار وأمسَكتُها مِن ذراعها وسحبتُها إلى خارج المشفى لأسألها:
ـ الولَد ليس ابني، أليس كذلك؟
ـ ماذا؟!؟ ما هذا الكلام؟ هل جنِنتَ؟ بالطبع هو ابنكَ! فهو يُشبهُكَ كثيرًا! أنتَ تشكُّ بي لأنّ زوجتُكَ السابِقة خانَتكَ!
ـ للحقيقة، لَم أجِد يومًا أنّه يُشبهُني، بل هو طفل ذو ملامح شرقيّة كعدَد لا يُحصى مِن الأولاد … والرجال! ولا تُلقي اللوم على تجاربي السابِقة، فلقد قالوا لي في المُختَبر إنّ دَمي ودَم الولَد غير مُطابِقَين. مَن هو أب ذلك الطفل؟!؟ إن لَم تتكلّمي الآن فسأقتلُكِ!!!”.
أمسَكتُ زوجتي مِن عنقها وادّعَيتُ أنّني أُريدُ قطع نفَسها. عندها، هي صرخَت:
ـ إنّه ماهِر!
ـ مَن؟؟؟
ـ ماهِر، العريس! زوج صديقتي!
ـ أيّتها الفاسِقة! تخونيني وتخونين صديقتكِ الحميمة؟؟؟ مِن أيّ صنف أنتِ؟!؟ تحمِلين مِن عشيقكِ وتدّعين أنّ الولَد منّي؟؟؟
ـ أقسمُ لكَ أنّني لَم أكن مُتأكِّدة مِن هويّة أب ابني. الآن فقط علِمتُ أنّه ماهِر، كانت لي شكوك، لكن مِن دون يقين! لا تقتلني، أرجوكَ!!!
– لماذا تزوّجتِني إن كنتِ تُحبّين ماهر؟
– لأنّني أُحِبُّه، أنتَ قلتَها، وهو لن يتركَ زوجته مِن أجلي، فلقد انتظرتُه سنوات مِن دون جدوى. وحانَ الوقت لأجِد رجُلًا يسترُني بعدما باتَ الناس يتكلّمون عنّي. وجلوسي إلى طاولتكَ في ليلة الزفاف كانت صدفة، فلقد أعطَيتُ مكاني لِسيّدة أرادَت الجلوس مع إحدى قريباتها. “
أفلَتُّ عنق ضُحى وذهبتُ إلى البيت. خانَتني الأقل جمالًا وأنجَبَت مِن آخَر! لماذا يُعاقبُني القدَر هكذا؟؟؟ حملتُ بعض الأمتِعة ورحتُ أسكنُ في شقّة مفروشة، حالما أُرتِّب أفكاري ومشاعري وأتّخِذ القرار المُناسِب. فبعد أن هدأتُ قليلًا، تذكّرتُ أنّ الصغير في خطر شديد وقد لا ينجو مِن العمليّة الجراحيّة ويموت. صحيح أنّه لَم يكن ابني، بل ابن خائنَين، لكنّني انتظرتُه وهو يكبر في بطن أمّه وأحبَبتُه ودلَّعتُه بعد ولادته. أسِفتُ أنّه لن يكبر تحت كنفي، لكن ما عساني أفعل بهذا الشأن؟ إتّصلتُ بالمشفى وعلِمتُ أنّ الصغير اجتازَ مرحلة الخطَر، فارتاحَ بالي. بعد ذلك، خابَرتُ زوجة ماهِر وأخبرتُها ما علِمتُه، فكان لا بدّ لها أنّ تعلَم مَن هو حقًّا زوجها وأنّ لدَيه ابنًا مِن صديقتها. وبعد أن زرتُ مُحاميًّا، بعَثتُ أوراق الطلاق لِضُحى، لكنّني تعهَّدتُ بِدَفع تكاليف المشفى كامِلة، لأنّني وعَدتُ ذلك الولَد بأن أكون على قدر المسؤوليّة.
بعد ذلك، تتالَت الأمور بسرعة، فطلّقَت زوجة ماهِر الخائن الذي راحَ يسكنُ مع ضُحى في بيتي! رفَعتُ دعوى ضدّ الإثنَين، فأُجبِرا على تَرك المكان مع الصغير. كنتُ مُستعِدًّا لِتَركَ زوجتي السابِقة في بيتي لِتُربّي ابنها فلَم يكن لدَيها مكانًا لِتلجأ إليه، لكن أن تجلِبَ عشيقها إلى بيتي وينامَ معها في سريري، فلا! عدتُ إلى مسكني حزينًا بعد أن ذقتُ طعم السعادة لِفترة وجيزة، وفهِمتُ أنّ قدَري كان أن أبقى وحيدًا مدى الحياة، مِن دون زوجة ولا أولاد!
ولأهربَ مِن الأماكن التي تُذكّرني بِفشَلي العاطفيّ، طلَبتُ نَقلي إلى فرع للشركة في الخارج، فسافَرتُ مِن دون أن أوّدِع أحَدًا. هناك، فتحتُ صفحّة جديدة مِن كتاب حياتي، وتمتَّعتُ بالعَيش في بلَد مُختلِف تمامًا عن حضارتنا الشرقيّة، الأمر الذي أنساني بعض الشيء كلّ ما مرَرتُ به. لَم تدُم علاقة ماهِر بِضُحى، إذ أنّه سئِمَ منها بسرعة بعدما إختفَت الإثارة التي كان يحصلُ عليها مِن خيانته لِزوجته، فتركَها وولَده وراحَ يُفتِّشُ عن زوجة جديدة، فالرجال لا يتزوّجون عشيقاتهم عادةً.
وفي تلك الفترة، جاءَني اتّصال مِن ضُحى تطلبُ منّي المال مِن أجل ابنها، فهي كانت في حالة مادّيّة صعبة وتعلَم كَم أحبَبتُ الصغير حين كنتُ أظنُّ أنّه ابني. تردَّدتُ كثيرًا، ففي آخِر المطاف، لا علاقة تربطُني به. لكنّني قرّرتُ أن أُكرِّم اسم أبي الذي أعطَيتُه للولَد، فبعَثتُ لِزوجتي السابِقة مبلغًا يكفيها وابنها لأشهر طويلة، مُضيفًا أنّني لا أُريدُ السماع منها بعد ذلك ولا أيّ شيء مُتعلِّق بالولَد. ومنذ ذلك اليوم، إنقطعَت الأخبار عنهما كلّيًّا.
واليوم، بعد مرور أكثر مِن عشر سنوات على تلك الأحداث، لا أزال أُفكِّرُ بالصغير وأتصوَّر كيف كبرَ وماذا يفعل، إن كان سعيدًا أم لا. وأُفكِّر أيضًا بأنّني كِدتُ ألّا أعرِف أنّه ليس ابني لولا حاجته إلى عمليّة جراحيّة. لكن هل كان مِن الأفضل لي عدَم معرفة الحقيقة؟ فلكانت حياتي مُختلِفة تمامًا اليوم ولَكنتُ أرعى ذلك الصغير، وأُعلِّمه كلّ ما أعرفِه، وأحميه، وأنصَحه وأراه يكبر أمامي. ليُسامحكِ الله، يا ضُحى!
