“أسوأ أنواع البشَر”


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

أعترِف أنّ الحقّ يقَع عليّ في ما يخصّ ما حصَلَ لِرانيا، وألومُ نفسي كلّ يوم مع أنّ تلك الأحداث تعودُ إلى أكثر مِن عشر سنوات.
كنتُ آنذاك صبيّة ضائعة، فوقَعتُ على رجُل قذِر وتزوّجتُه بعدما وعدَني بحياة تُشبِه ما نراه في الأفلام، أيّ مليئة بالمُغامرات والتشويق. فالجدير بالذكر أنّني ولِدتُ وكبِرتُ في بيت أناس هادئين وجدّيّين ومؤمنين، فشعرتُ بالملَل وبحثتُ عمّا وعمَّن يُضفي على حياتي بريقًا جذّابًا. ترَكتُ المدرسة وهرَبتُ مع فادي إلى العاصمة حيث فوجئتُ بِصغر المكان الذي كنتُ سأعيشُ فيه معه، بعد أن تخيّلتُ أنّني سأُعامَل كالأميرة. لَم يكن فادي فقيرًا، لكنّه كان يخسَر كلّ ما يجنيه بِلَعِب المَيسَر والسّهر والشرب. شارِكتُه حياته الصاخِبة، لكن مع الوقت، إستوعَبتُ أنّني اقترَفتُ خطأً جسيمًا، فحاولتُ الاتّصال بأهلي الذين نكَروني يوم هرَبتُ مِن البيت، فرفضوا استقبالي. لِذا، إضطرِرتُ للبقاء مع زوجي الذي كان في الواقع زوجًا للعديد مِن النساء، شرعيًّا وغير شرعيٍّ.
أمام الناس والذين بقوا يتّصلون بي مِن معارِفي القدامى، إدّعَيتُ أنّني أعيشُ حلمًا رائعًا مع زوجي، وهم صدّقوني، بعد أن تعلَّمتُ مِن فادي فنّ الكذب. وإحدى تلك المعارِف، رانيا، أبدَت رغبتها بالعَيش مثلي، فسألَتني إن كان لِزوجي قريب أو صديق مثله، فأسرَعتُ بسؤال فادي الذي قالَ على الفور: “هناك رامِز… هل صديقتكِ جميلة؟ أرِني صورتها!”. كان بإمكاني عدَم ترتيب ذلك التقارب والتحجّج بألف عذر، لكنّني أقدَمتُ على تدبير رانيا لِرامِز، عالِمة تمام العِلم أنّ ذلك الرجُل هو مثل زوجي، أيّ إنسان فاشِل وأنانيّ وكاذِب وغشّاش. أرَدتُ أنّ أجِدَ مَن يُقاسمُني عذابي، لأنّني كرهتُ حياتي ولَم أتحمَّل فكرة عَيشها لوحدي. غرَّيتُ رانيا وأقنَعتُها بأن تهرب كما فعلتُ أنا، لأنّ رامِز يستحقُّ هكذا تضحيّة. تفاجأتُ بِرانيا تفعلُ تمامًا كما أملَيتُ عليها، ففهِمتُ أنّها ليست فتاة ذكيّة. وبدلًا مِن حمايتها مِن نفسها، رمَيتُها في فمَ الأسَد.
تزوّجَ رامِز ورانيا وكنتُ وفادي شاهدَيهما. رحنا نحن الأربعة إلى فندقٍ جميل ثمّ ترَكناهما ليتمتَّعا بشهر عسَلهما… الذي دامَ ليلة واحدة، إذ أنّهما عادا في الصباح إلى غرفة رامِز وبدأَت رانيا بالتنظيف والطهو وتلبية رغبات زوجها الكثيرة. ترَكَها رامِز لِليالٍ طويلة لوحدها، بينما كان يسهَر ويقصِد عشيقاته ليعودَ ويقولَ لها كَم هو اشتاقَ إليها. وهي صدّقَته لأنّه كان وسيمًا ويُجيد الكلام مع النساء، ولأنّها وقعَت في فخّ صَعُبَ عليها الخروج منه.
يوم زرتُها في بيتها الصغير لأوّل مرّة، لامَتني لأنّني صوّرتُ لها حياةً جميلة مع رامِز. وهي ظنَّت أنّني سعيدة ومُكتفية ولَم تفهَم لماذا دبَّرتُ لها رجُلًا بالكاد يُطعِمُها. فقلتُ لها:
ـ فادي هو الآخَر فقير ومُهمِل ويخونُني مع أوّل امرأة يراها. لستُ في حال أفضل منكِ، صدّقيني.
ـ لكن… ألَم تقولي إنّكِ تعيشين حياةً رائعة مع زوجكِ؟
ـ وماذا تُريدين أن أقول؟؟؟ أنّني وقَعتُ ضحيّة مُحتال؟
ـ لستِ أفضل مِن زوجكِ، فأنتِ أيضًا مُحتالة وأنا ضحيّتكِ! تبًّا لكِ!
ـ على الأقل، لن تكوني لوحدكِ في محنتكِ، فأنا معكِ.
ـ لولاكِ لما كنتُ في هذه المحنة!
ـ لَم أُجبركِ على شيء، لماذا لَم تسألي عن رامِز؟
ـ لأنّني، كشأنكِ، إنغشَّيتُ بالكلام الجميل والوعود. ماذا أفعلُ الآن؟ قولي لي!
ـ تفعلين ما أفعله، تمضين حياتكِ يومًا تلوَ الآخَر على أمَل أن يتغيَّر شيئًا. فمثلًا، أنا حامِل الآن، وطفلي سيُعطيني السّلوى والحبّ والهدَف.
ـ  لن أحمِل مِن رامِز! أنتِ مجنونة، لماذا فعلتِ ذلك؟
ـ للحقيقة، أنا أحِبُّ فادي كما هو، مع أنّني لستُ سعيدة مِن أفعاله. لا تُحاولي فَهم ما أقوله، فأنا بالذات لا أفهَم كيف لي أن أُحِبَّ رجُلًا كهذا.
ـ لن أبقى طويلًا، سأرحَل إلى أهلي.
ـ وهل سيُعيدونكِ؟ فأهلي رفضوني.
ـ لستُ مثلكِ! وأهلي ليسوا كأهلكِ!”.
غضِبتُ مِن رانيا، فكيف لها أن ترحَل وتُبقيني لوحدي في هذه الحياة؟
أخبَرتُ زوجي بما تنوي فعله رانيا، عالِمةً تمام العِلم أنّه سيُخبِرُ بِدوره رامِز. للحقيقة، كلّ ما أردتُه، هو رفيقة، خاصّة حين يولَد طفلي، لتُساعدَني وتواسيني وتؤنّسني في وحدتي. لَم أشأ أن يلحقَ أيّ أذى بتلك المرأة الشابّة، صدّقوني! على كلّ الأحوّال، لَم أكن المُذنِبة الوحيدة، فالكلّ ساهَمَ معي في هذه القضيّة، أليس كذلك؟
سجَنَ رامِز رانيا في تلك الغرفة بعدما شتَمَها وضرَبَها، ثمّ أقفَلَ عليها المكان بالمفتاح وسحَبَ منها أيّ طريقة تواصل مع الخارج. وحدي كان يحقُّ لي زيارتها وجَلب الأكل والشرب لها لأنّني كنتُ “زوجة مُطيعة”. وحين دخَلتُ الغرفة، إنقضَّت عليّ وأمسكَتني مِن شعري صارخةً:
ـ أيّ صنف مِن البشَر أنتِ؟!؟ كيف تفعلين ذلك بي؟ ألستِ امرأة مثلي؟ توشي بي لِمَنعي مِن الرحيل؟
ـ ها أنا بقيتُ وسأجلِبُ إلى الدنيا طفلًا لِزوجي. لِما لا تكوني مثلي؟ أمّ أنّكِ تحسبين نفسكِ أفضل منّي؟
ـ بالفعل أنا أفضل منكِ، فلَم أوقِع بأحَد، ولَم أُساهِم بِتعاسة أحَد. كلّ ما أرَدتُه هو عريس جيّد، عريس كما وصفتِه لي، أيّتها الماكِرة!”.
عندما أخبَرتُ فادي عمّا دار بيني وبين رانيا، هو أقنَعَ رامِز بأن يقسو على زوجته، فلَم يعُد لي مسموحًا أن أُطعِمها على الإطلاق، إلى حين هي “تستعيد صوابها” وترضَخ للأمر الواقِع. للحقيقة لَم أجِد أي خطب في الموضوع، فما الضرَر إن هي بقيَت يومًا أو اثنَين مِن دون أكل؟
ستقولون عنّي إنّني بلا قلب وأنانيّة، وأنتم على حقّ. هكذا كنتُ، بسبب امتعاضي مِن حياتي وذاتي. فلَم أصُبّ اللوم على نفسي أو زوجي، بل على المسكينة رانيا، إنسانة بريئة وساذِجة صدّقَت كلّ ما قلتُه لها مِن دون أن تتحقَّق منه، وتركَت أهلها وناسها بين ليلة وضحاها.
لكنّ رانيا لَم تكن مثلي، راضِخة لِقدَرها، بل بقيَت تُحاوِل بِشتّى الطرق الخروج مِن مأزقها. فلقد طلبَت نجدة أهل الحَي بإلقاء كلّ ما وقعَت يدها عليه مِن النافذة الموجودة في الطابق الأخير مِن ذلك المبنى القديم. في البدء، لَم ينتبِه أحَد للأمر، لكنّها لَم تستسلِم. ومع أنّ النافذة كان لها قضبان مِن حديد، فقد استطاعَت التمرير مِن خلالها أغراضًا عديدة ومُختلفة الأحجام. لكنّها لَم تصرَخ أو تُنادي، خوفًا مِن أن يسمَعها رامِز ويُعاقِبها.
جاءَت الشرطة لإنقاذها، بعدما تجمّعَ أهالي الحَي لِمعرفة مَن يرمي تلك الأغراض عليهم. هم ظنّوا في البدء أنّه عمَل عدائيّ وتخريبيّ، خاصّة حين طلَبوا مِن الفاعِل التوقّف ولَم يمتثِل. تفاجأَ رجال الشرطة بإيجاد امرأة هزيلة في الغرفة، فأخذوها معهم بعدما أخبرَتهم بما يحصلُ لها. في القسم، إتّصلوا بأهلها الذين ركَضوا لأخذها بعيدًا جدًّا. آه… يا لَيتَ أهلي كانوا يُحبّوني هكذا!
عندما ذهبَت الشرطة لِجلَب رامِز للتحقيق، هو رفَضَ مُرافقتهم، بل شهَرَ عليهم مُسدّسًا وبدأ يُطلِقُ النار في كلّ مكان، فأردوه قتيلًا.
حمَّلَني فادي مسؤوليّة موت رامِز، ألَم تكن رانيا مِن معارفي وأنا التي عرّفتُه بها؟ تركَني زوجي وراحَ يعيشُ مع امرأة غيري، ولَم يردّ على اتّصالاتي، حتّى بعدما وُلِدَ ابنه. ساعدَني بعض الجيران على العَيش بِجَلب الطعام لي، الطعام الذي منعتُه عن رانيا لِتبقى معي حتّى لو عنى ذلك إتعاسها لِمدى الحياة. أيّ امرأة أنا؟ بدأ ضميري يصحو شيئًا فشيئًا وأنا أهتمّ لوحدي بابني، ربّما لأنّ الأمومة حرّكَت عواطفي.
وجَدتُ عمَلًا بسيطًا كَي لا أمدَّ يدي لأحَد وحتى أؤمِّن لِطفلي الملبَس والغذاء. إشتغَلتُ تارةً في مصنَع وتارةً أخرى كنادِلة في أحَد المقاهي. لَم يسأل فادي يومًا عنّي أو عن ابنه، وعلِمتُ بعد سنتَين مِن تركه لي أنّه قضى في حادثة مُشاجرة حصلَت حول امرأة، فزوجها علِمَ بالعلاقة وواجَه فادي، فتضارَبا بِعنف وتغلَّبَ الزوج على فادي. لَم أزعَل كثيرًا على زوجي السّابِق، فهذا هو مصير أمثاله، إذ مِن النادِر أن يموتوا بظروف طبيعيّة.
عندما صارَ ولَدي بِعمر الخامِسة، تفاجأتُ باتّصال مِن أمّي. في البدء لَم أُصدِّق أذنَيّ، فبدأتُ أتمتِم وأبكي في آن واحِد. وهي علِمَت أين أنا وكيف أعيش… مِن رانيا التي اتّصلَت بها طالِبةً منها إنقاذي. لكنّ أبي رفَضَ قطعيًّا وعملَت أمّي جهدها لإقناعه، ونجحَت بذلك أخيرًا بعد فترة طويلة.
رانيا… إنسانة رائعة بالفعل! فبدلًا مِن أن تنتقِمَ منّي وتتركني لِمصيري، أنقذَتني في حين رفضتُ إنقاذها، بل تسبَّبتُ لها بالإهانات والضرب والحجز. ويوم عدتُ إلى بيت أهلي مع ابني، إتّصلتُ بِرانيا لأقولَ لها إنّني صِرتُ بأمان، ولأعتذِر منها على كلّ الذي تسبَّبتُ لها به. هي لَم تردّ، بل بقيَت صامِتة، ثمّ أقفلَت الخط وحظَرَتني. فهِمتُ أنّها تُريدُ وضع كلّ ما يتعلَّق بحياتها القديمة وراء ظهرها والبدء مِن جديد.
الحياة تُرسِلُ لنا نوعَين مِن الناس: الأوّل مثلي، أنانيّ ومعدوم الشفقة. والثاني مثل رانيا، إنسانة طيّبة وسموحة ومُحِبّة . فحذارِ على مَن تقَعون!

أضف تعليق