“أين اختفى زوجي؟” ـ الجزء الأوّل ـ


(جميع قصصي محمية بقانون الملكية الفكرية)

إختفى صالِح زوجي بين ليلة وضحاها، فهو ذهَبَ صباحًا إلى عمَله ولَم يعُد. تصوّروا حالتي، أين هو، مع مَن، هل هو حَيٌّ أم ميّتٌ، أو في مأزق لا يستطيع الخروج منه؟ وما هو أهمّ، ماذا أقولُ لأولادنا الذين سألوا عنه منذ اللحظة الأولى؟ فتّشتُ وأخ صالِح عنه في كلّ مكان، في مقرّ عمَله، في المُستشفيات، في أقسام الشرطة، وجُلنا الطريق المُمتَدّ بين عمَله والبيت، خوفًا مِن أن يكون قد وقَعَ ضحيّة حادِث، لكن مِن دون نتيجة. قالَ لي أحدَهم إنّ زوجي هرَبَ مع امرأة أخرى، ولهذا السبب لا أجِده في أيّ مكان، لكنّني لَم اُصدِّقُ تلك النظريّة، فهم لا يعرفون كَم أنّ زوجي هادئ وعاقِل، وما هو أهمّ، كَم أنّه يُحبُّني والأولاد، ولا يُعقَل أبدًا أن يهجرنا هكذا. وأكثر ما أكّدَ لي أنّه لَم يختفِ بإرادته، هو أنّه مُعيلنا الوحيد ومِن دونه لا مدخول لنا على الإطلاق.
تحوّلَت حياتي منذ ذلك اليوم إلى جحيم مستمِرّ، فبعد فترة مِن الحيرة والضياع والأسئلة التي لا تُحصى، كان عليّ التفكير بِجَلب المال إلى البيت، فمَن سيُطعمُني وأولادي ويدفَع أقساط مدارسهم؟ عرضَت عائلة زوجي المُساعدة، ولَم أرفضها، ومِن جهة أهلي، حصلتُ على مبلَغ قيلَ لي إنّه الأوّل والأخير، وإنّ عليّ إيجاد عمَل. كنتُ أعي ذلك الأمر، لكنّ الموضوع لَم يكن سهلًا، إذ أنّني لَم أكن أملك أيّة خبرة في أيّ مجال، وشهادتي الثانويّة لَم تكن مُفيدة كثيرًا. لكن في آخِر المطاف، وجدتُ عمَلًا في أحَد محلّات الحلوى كعامِلة صالة. مهامي كانت مُساعدة الزبائن وحثّهم على الشراء. لَم يكن الأمر صعبًا، ووجَدتُ المحلّ ظريفًا وباقي العاملين فيه لطفاء. إرتاحَ بالي قليلًا، إلّا أنّني كنتُ أعلَم أنّ راتبي لن يُغطّي مصاريفنا بالكامل وخاصّة الإيجار والفواتير. صمَدتُ أشهر قليلة، قَبل أن أقبَل عرض حماتي بالذهاب والأولاد إليهم والعَيش معهم بصورة دائمة، شرط أن أترك عمَلي. لَم أفهَم لماذا هم غيّروا رأيهم في ما يخصّ الصّرف علينا، لكن بالرغم مِن حبّي لاستقلاليّتي، رحتُ أنضمّ إلى عائلة زوجي لاعتباري أنّ ذلك مكاني بالأصل. بقيتُ أُناجي ربّي ليلًا نهارًا وأقول: “يا إلهي… أين صالِح؟ طَمئن بالي، أرجوكَ!”.
مرَّت سنتان وبدأنا نعتاد إلى الحياة مِن دون صالِح، مع أنّني لَم أنفَكّ عن التفكير به وبمصيره. أمّا بالنسبة للأولاد، فنسوه بسرعة لأنّهم أطفال والحياة تبدو لهم وكأنّها سلسلة أحداث غير مُترابِطة. تقدَّمَ لي العرسان، لكنّني لَم أنوِ الزواج. على كلّ الأحوال، أهل زوجي أبعَدوا هؤلاء بسرعة، فلا يجوزُ أن تسعَد الكنّة بعد مَمات ابنهم! لكن حين أبدى عامِر ابن عمّ صالِح نيّته بالارتباط بي، خفَّت المُمانعة مِن قِبَل العائلة، إذ أنّهم رأوا أنّه أفضَل مِن هؤلاء الغرباء، فهو في آخِر المطاف فردٌ مِن العائلة. إلّا أنّني رفضتُه، ليس فقط لأنّني كنتُ لا أزال أُحِبّ زوجي، لكن أيضًا لأنّه كان إنسانًا غليظًا ومُتشاوِفًا، وسألتُ نفسي كثيرًا بماذا هو يتشاوَف إذ أنّه رجُل عاديّ للغاية مِن كلّ النواحي. إضافة إلى ماضيه المشبوه، شعبيّته بين الناس معدومة، خاصّة لدى الرجال، لأنّه يحومُ دائمًا حول نسائهم وينظرُ إليهنّ نظرة غير نظيفة. في كلمة، لا مُقارنةً بينه وبين صالِح على الإطلاق!
فاتحَتني حماتي بموضوع عامِر، فقاطعتُها على الفور:
ـ حماتي… ليس مِن الوارِد على الإطلاق أن أتزوَّج مُجدّدًا، وخاصّة مِن ذلك الرجُل. أنسيتِ أنّ ابنكِ لَم يكن يُحبُّه؟ هو لَم يدعُه يومًا إلى بيتنا وكان يتفاداه في المُناسبات العائليّة. هل يجوزُ أن أتزوَّج مِن رجُل يُبغِضُه أب أولادي؟ على كلّ الأحوال، مَن قالَ لكِ إنّ ابنكِ لن يعودَ يومًا؟
ـ لن يعود… قلبي يقولُ لي إنه… إنّه ليس في هذه الدنيا.
ـ لن أتّكِل على شعوركِ وحسب، بل أُريدُ براهين! على كلّ الأحوال، لَم تمرّ أربعة سنوات ليُعتبَر ميّتًا قانونيًّا!
ـ بإمكان عريسكِ الانتظار.
ـ توقفي عن تسميَته عريسي! لن أتزوّجه أو أيّ شخص آخَر! وإن بقيتُم مُصرّين، فسآخذ الأولاد وأرحَل. أهذا ما تُريدونه؟
ـ لا! لا… كما تشائين.”
غضِبتُ كثيرًا مِن ذلك الكلام، إذ أنّ أمّ زوجي كانت تتصرّف وكأنّ ابنها مَيّت، أو كما لو أنّه ليس ابنها أصلاً! ولماذا تُريدُ تزويجي؟ هل تفاديًا لأن آخذ غريبًا وأعيشُ بعيدًا معه ومع الأولاد؟
ثمَّ جاءَ دور أب صالِح بمُحاولة إقناعي بِعامر ابن أخيه:
ـ أتعلَمين أنّه شارَكَ بمصروفكِ وأولادكِ منذ وفاة صالح؟
ـ ماذا تعني؟
ـ أجل، هو يدفعُ لنا مبلغًا شهريًّا مِن أجلكم.
ـ ألهذا السبب تُريدون تزويجي إيّاه؟ هل تبيعوني له بعدما دفَعَ ثمني؟؟؟
ـ لماذا تقولين ذلك؟ أنا أحاوِل فقط أن أريكِ أنّه مُهتمٌّ بكِ كثيرًا وبالأولاد، وقد يكون زوجًا مُمتازًا لكِ.
ـ صالِح لَم يمُت! ما بالكم جميعًا؟؟؟ لا أُريدُ سماع هذا الحديث بعد الآن! سأجِدُ عمَلًا في الحال وأرحَل مِن هنا!
ـ لقد… لقد أعطَيتُ عامِر وعدًا بأنّكِ ستصبحين زوجته.
ـ لا تهمّني وعودكَ يا عمّي، فلستُ ملككَ! يا لخذلاني بكم، ظنَنتُ أنّني سأكون بأمان بينكم… حسنًا… أنا أعرفُ ما عليّ فعله!”.
خابَرتُ أهلي على الفور وأخبرتُهم عمّا يجري، وأطلعتُهم عن نيّتي بالذهاب إليهم مع أولادي. هم كانوا يريدونا عندهم منذ البداية، لكنّهم رأوا أنّ بقائي مع أهل زوجي سيُعطيهم بعض المواساة بعد اختفاء ابنهم. حزَمتُ أمتعتنا، وفي الصباح، جاءَ أخي وأخذَنا. ودَّعتُ أهل زوجي لكنّني لَم أُقبِّلهم لكثرة امتعاضي منهم، وقلتُ لهم: “عندما أجِدُ عمَلًا، سأُعيدُ لذلك الرجُل ماله، لا تخافوا”.
كَم كانت فرحتي كبيرة حين عدتُ إلى بيت أهلي وإلى غرفتي القديمة! شعَرتُ بالأمان، ونسيتُ غضبي وبعض الحزن الذي كان يملأ قلبي في ما يخصّ صالِح. لكنّ ابن عمّه لَم ينسَني، بل رأى أنّني أُفلِتُ مِن قبضته، فصارَ يلحقُ بي مِن دون أن أدري وينتظرُ الوقت المُناسِب ليُكلّمني. وهكذا، في أحَد الأيّام، عندما كنتُ عائدة مِن عمَلي الجديد، هو أوقفَني حين مرَّ بالقرب منّي بسيّارته:
ـ دَعيني أكلّمكِ… دقيقة واحِدة فقط… فلستُ أفهَم لماذا لا تُريديني؟!؟
ـ ولماذا أُريدُكَ؟ هل عليّ ذلك؟ وهل أنتَ مِن الذين هو يصعب مُقاومتهم؟ أُحبُّ زوجي وأنتظِرُ عودته! وسأنتظرُه مدى الحياة!
ـ أنتِ مجنونة! صالِح لن يعودَ والكلّ يعي ذلك ما عداكِ. سأنتظرُ المدّة القانونيّة إلى حين يُعتبَر ميتًّا رسميًّا ونتزوّج. أقسمُ لكِ أنّني سأكون زوجًا مثاليًّا وأُنسيكِ صالِح.
ـ لا يوجَد رجُل على الأرض يمكنُ له أن يُنسيني صالِح! فهو إنسان مُحِبّ وكريم وشجاع!
ـ شجاع؟!؟ هاهاها! دعيني أضحَك! لو سمعتِه كيف توسَّلَ لي حين…
ـ حين ماذا؟
ـ لا شيء. عليّ الرحيل الآن. لكنّني سأعود.”
أدارَ عامِر سيّارته بسرعة واختفى بلحظة. أمّا أنا، فبقيتُ واقِفة وسط الطريق، أُفكِّر بالذي قالَه قَبل أن يستدرِك نفسه ويهرب. “صالِح توسَّلَ له حين…”. هل يُعقَل أن…؟!؟ لا… هذا ليس مُمكِنًا! ألهذا السبب هو دفَعَ مصاريفي ومصاريف أولادي؟ هل فعل ذلك تكفيرًا لِذنبه؟ لا… أنا أتخايَل أمورًا لا وجود لها!
بقيَت تلك الأفكار تراوِدُني لفترة، ثمّ قرَّرتُ أنّ عليّ معرِفة الحقيقة، أيًّا كانت وبأيّة طريقة. لذلك، خابرتُ عامِر وأعطَيتُه موعِدًا “لِنتكلّم بموضوع مُهِمّ”. هو ظنّ أنّني أُريدُ أن أبحَث معه أمر الزواج فأسرَعَ طبعًا بالقبول. لكن بالنسبة لي، كانت لدَيّ خطّة مُختلِفة تمامًا.
(يتبَع)

أضف تعليق